أحمد بن محمود السيواسي
28
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
نضر بن الحارث حين قالوا : لو نشاء لقلنا مثل هذا وكان يحدث لكفار مكة عن الأمم الماضية من حديث رستم واسفنديار « 1 » ( وَلَوْ تَرى ) أي لو تعلم يا محمد الكفار ( إِذِ الظَّالِمُونَ ) أي وقت كون الظالمين من المستهزئين والمفترين وغيرهم من الكفار ( فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ) أي في شدائده وسكراته ، والغمرة في الأصل ما يغمر الشيء من الماء ونحوه ، فاستعيرت للشدة وحذف الجواب تعظيما ، أي لرأيتهم في عذاب وجيع ( وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ ) أي والحال أنهم يبسطونها لقبض الأرواح يقولون للكافرين تهويلا لعذابهم ( أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ) لنقبضها أو خلصوها من العذاب إن استطعتم ( الْيَوْمَ ) ظرف ل « أَخْرِجُوا » ، فيكون القول عند الموت أو ظرف ( تُجْزَوْنَ ) فيكون يوم القيامة ، أي تعذبون اليوم ( عَذابَ الْهُونِ ) أي الهوان الشديد ( بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ) في الدنيا كلاما ( غَيْرَ الْحَقِّ ) مفعول القول بأن له شريكا وغير ذلك ( وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ ) أي عن القرآن ومحمد ( تَسْتَكْبِرُونَ ) [ 93 ] أي تتعظمون « 2 » فلا تؤمنون . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 94 ] وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 94 ) قوله ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ) نزل حين قالوا افتخارا واستخفافا للفقراء : نحن أكثر أموالا وأولادا في الدنيا وما نحن بمعذبين في الآخرة « 3 » ، فقال تعالى يوم القيامة ولقد جئتمونا منفردين عن أموالكم وأولادكم ، جمع فردان كسكران وسكارى ( كَما خَلَقْناكُمْ ) صفة مصدر محذوف ، أي مجيئا مثل خلقنا إياكم أو نصب على الحال من « فُرادى » ، أي مشبهين بما كان ( أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أي في ابتداء خلقكم حفاة عراة غرلا وهو ظرف ل « خَلَقْناكُمْ » ( وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ ) أي الذي أعطيناكم من المال والولد ( وَراءَ ظُهُورِكُمْ ) في الدنيا بغير اختياركم ( وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ ) أي لا نرى آلهتكم ( الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ) في الدنيا ( أَنَّهُمْ فِيكُمْ ) أي في استعبادكم ( شُرَكاءُ ) للّه ، يعني قلتم إنهم شركاء لي في العبادة ولكم شفعاء عند اللّه ( لَقَدْ تَقَطَّعَ ) أي وقع القطع ، يعني تقطع وصلكم ( بَيْنَكُمْ ) بالنصب ظرفا ، وبالرفع « 4 » فاعل « تَقَطَّعَ » ، لأن البين كما يكون بمعنى التباين يكون بمعنى الوصل أيضا لكونه من الأضداد ( وَضَلَّ ) أي غاب ( عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) [ 94 ] من أنهم شفعاؤكم يوم البعث . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 95 ] إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) ثم أخبر تعالى عن أوصاف ربوبيته التي بها يستحق الوحدانية ليوحدوه بقوله ( إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ) أي شاقهما وخالقهما بعد يبسهما عن ورق أخضر ، والمراد من « الْحَبِّ » كل الحبوب كالبر والشعير والذرة ، ومن « النَّوى » كل ثمرة فيها هواة كالإجاص والتفاح والخوخ والمشمش ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ) كالجملة المبينة ل « فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى » ، أي يخرج بالخلقة الحيوان والنامي من النطف والبيض ، ومن الحب والنوى اليابسين ( وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ) أي مخرج غير الحيوان والنامي كالنطفة والبيضة من الحيوان ، وكالحب والنوى اليابسين من النامي ، لأنه في حكم الحي ، و « مخرج الميت » اسم معطوف على « فالِقُ » دون الفعل ، لأنه ليس بيانا ل « فالِقُ الْحَبِّ » كبيان الفعل الذي هو يخرج الحي لكونه ضده . ( ذلِكُمُ اللَّهُ ) أي هذا المحيي والمميت هو اللّه الذي يحق له الربوبية لا أصنامكم ( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) [ 95 ] أي كيف تصرفون عن ربكم الحق إلى غيره الباطل .
--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 78 . ( 2 ) تتعظمون ، س م : تعظمون ، ب . ( 3 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 4 ) « بينكم » : قرأ المدنيان وحفص والكسائي بفتح النون ، والباقون بضمها . البدور الزاهرة ، 106 .